إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
379
الإعتصام
الأحكام ولا شك أن العقل يجوز أن يرد الشرع بذلك بل يجوز أن يرد بأن ما سبق إلى أوهام العوام - مثلا - فهو حكم الله عليهم فيلزمهم العمل بمقتضاه ولكن لم يقع مثل هذا ولم يعرف التعبد به إلا بضرورة ولا بنظر ولا بدليل من الشرع قاطع ولا مظنون فلا يجوز إسناده لحكم الله لأنه ابتداء تشريع من جهة العقل وأيضا فإنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم حصروا نظرهم في الوقائع التي لا نصوص فيها في الاستنباط والرد إلى ما فهموه من الأصول الثابتة ولم يقل أحد منهم إني حكمت في هذا بكذا لأن طبعي مال إليه أو لأنه يوافق محبتي ورضائي ولو قال ذلك لاشتد عليه النكير وقيل له من أين لك أن تحكم على عباد الله بمحض ميل النفس وهوى القلب هذا مقطوع ببطلانه بل كانوا يتناظرون ويعترض بعضهم بعضا على مأخذ بعض ويحصرون ضوابط الشرع وأيضا فلو رجع الحكم إلى مجرد الاستحسان لم يكن للمناظرة فائدة لان الناس تختلف أهواؤهم وأغراضهم في الأطعمة والأشربة واللباس وغير ذلك ولا يحتاجون إلى مناظرة بعضهم بعضا لم كان هذا الماء أشهى عندك من الآخر والشريعة ليست كذلك على أن أرباب البدع العملية أكثرهم لا يحبون أن يناظروا أحدا ولا يفاتحون عالما ولا غيره فيما يبتغون خوفا من الفضيحة أن لا يجدوا مستندا شرعيا وإنما شانهم إذا وجدوا عالما أو لقوه أن يصانعوا وإذا وجدوا جاهلا عاميا ألقوا عليه في الشريعة الطاهرة إشكالات حتى يزلزلوهم ويخلطوا عليهم ويلبسوا دينهم فإذا عرفوا منهم الحيرة والالتباس ألقوا إليهم من بدعهم على التدريج شيئا فشيئا وذموا أهل العلم بأنهم أهل الدنيا المكبون عليها وأن هذا الطائفة هم أهل الله وخاصته وربما أوردوا عليهم من كلام غلاة الصوفية شواهد على ما يلقون إليهم حتى يهووا بهم في نار جهنم وأما أن يأتوا الأمر من بابه ويناظروا عليه العلماء الراسخين فلا ونأمل ما نقله الغزالي في استدراج الباطنية غيرهم إلى مذهبهم تجدهم لا يعتمدون إلا على خديعة الناس من غير تقرير علم والتحيل عليهم بأنواع الحيل حتى يخرجوهم